محمد حسين الذهبي

181

التفسير والمفسرون

موقف المفسر إزاء هذه الإسرائيليات علمنا أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت في ديننا واستفحل خطرها ، كما علمنا أن قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » قاعدة مقررة لا يصح العدول عنها بأي حال من الأحوال ، وبعد هذا وذاك نقول : إنه يجب على المفسر أن يكون يقظا إلى أبعد حدود اليقظة ، ناقدا إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من دقة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن ، ويتفق مع العقل والنقل ، كما يجب عليه أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا كان في سنة نبينا صلى اللّه عليه وسلم بيان لمجمل القرآن ؛ فمثلا حيث وجد لقوله تعالى « ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب « 1 » » مجمل في السنة النبوية الصحيحة وهو قصة ترك ( إن شاء اللّه ) والمؤاخذة عليه « 2 » فلا يرتكب قصة صخر المارد . « 3 »

--> ( 1 ) الآية ( 34 ) من سورة ص . ( 2 ) القصة عند البخاري في باب الجهاد ج 4 ص 22 عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال سليمان بن داود عليهما السلام : لأطوفن الليلة على مائة امرأة ، أو تسع وتسعين ، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه ، فقال له صاحبه : إن شاء اللّه ، فلم يقل : ان شاء اللّه ، فلم يحمل منهن الا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفس محمد بيده لو قال : إن شاء اللّه ، لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون ا ه . ( 3 ) هذه القصة رواها ابن جرير في تفسيره عن قتادة ، ونصها : أن سليمان أمر ببناء بيت المقدس فقيل له : ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد ، قال : فطلب ذلك فلم يقدر عليه ، فقيل له : إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد ، قال فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة ، فنزح ماؤها ، وجعل فيها خمر ، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال : إنك لشراب طيب الا أنك تصبين الحليم ، وتزيدين الجاهل جهلا ، قال : ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ، ثم أتاها فقال : انك لشراب